محمد أبو زهرة
5067
زهرة التفاسير
إهلاكه وقومه ، حتى أمر بأن يحمد اللّه تعالى على نجاته منهم وقد كانوا ظالمين ، وهذا كقوله تعالى : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) [ الأنعام ] ، وهكذا أمر اللّه تعالى نوحا بأن يحمد اللّه تعالى إذا استوى كما قال في سورة هود : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) [ هود ] ، كما أمره سبحانه وتعالى أن يدعو اللّه في قابل أمره شاكرا حامدا ، فقال تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) . الخطاب لنوح عليه السلام ، وصورة : ب رَبِّ للإشارة إلى أنه إذ نجاه لا يصح أن يلجأ إلا لعنايته وكلاءته وحمايته أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً المنزل هنا بمعنى المصدر ، لا بمعنى المكان ، أي أنزلني إنزالا فيه خير ونماء وبركة ، بأن يثبت اللّه تعالى قلوب الذين آمنوا على الحق ، وقد رأوا بأعينهم عاقبة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومعاندة الحق ، وقد بارك سبحانه من معه ، فجعل منهم ذرية الخليقة فكان بحق الأب الثاني للإنسانية ، وقد أثنى على ربه بما هو حقه ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ، أي أنت الذي تنزل منازل أعلى ما يكون الإنزال المبارك . وقد بين سبحانه وتعالى العبرة في هذا قصص المحكم الخاص بنوح وقومه ، فقال عزّ من قائل : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ( 30 ) . أي أن في ذلك القصص الخاص بنوح وقومه ، وكيف أرهقوه من أمر الرسالة عسرا ، لآيات وعبر للذين يستبصرون ، ويدركون أن الأمور البالية يتعرض أصحابها للمشقات من أهل الباطل والضلال ، وقد كان إحجام الضالين أولا لأنه بشر مثلهم ، ولأنهم ينكرون البعث ولا يؤمنون به ، ولأنه اتبعه الضعفاء والفقراء الذين ازدرتهم أعين المستكبرين ، وهكذا مما ابتليت به أنت ، وكانت الآية الأخيرة أن اللّه تعالى أغرقهم ، وقطع دابر الذين ظلموا ، وفيه آية سامية في علوها وهي أن الزلفى عند اللّه بالحق والإيمان به ، لا بالقرابة فهذا ابن نوح كان من المغرقين مع أنه أقرب الناس إلى نوح . وإن من فضل اللّه تعالى وشأنه أن يعامل الأخيار معاملة المختبرين ، ولذا قال تعالى : وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ إن هنا هي المخففة من الثقيلة ، وإنها ضمير الشأن ،